


البريمل

عضو مميز
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 9,783

لسلطة القضائية ترد على مشروع قانون مخاصمتها:
البيت القضائي يطهر نفسه بنفسه

طرح في بداية العام موضوع تقدمت به جمعية المحامين إلى مجلس الأمة وتمت مناقشته، وقد يرى البعض انه موضوع حساس وخطير، وهو الذي كان يتحدث عن مشروع قانون لمخاصمة القاضي، بهدف مواكبة الدول المتقدمة حسب ما ذكره المتقدمون بالمشروع، بحيث يكون أي خصم يرى أنه وقع عليه خطأ جسيم يتقدم بدعوى مدنية ضد القاضي.
وفي هذا الصدد يرى البعض أن هذا المشروع مرفوض، لأن القاضي في الكويت يتمتع بثقة وحصانة لا يتمتع بهما أي موظف أو أي مستشار، لذلك فإنه لا حاجة الى مثل هذا القانون أن يكون، كما أنه ليس كل ما يطبق في الدول المتقدمة يجب أن يطبق في الكويت، بحيث ان الأمور تختلف كثيرا، وفي النهاية لا حاجة لوجود قانون يوضع على الرف ولا يستخدم.
لكن في المقابل فإن مايراه المطالبون بهذا القانون هو أن إقراره يساهم في الحفاظ على هيبة الأحكام القضائية، ومصلحة المتقاضين، كما أنه يزيد من هيبة القضاء ودقة أحكامه.
مابين هذا وذاك فإن الموضوع في هذه الأيام تطور كثيرا وترتب عليه طلب مجلس الأمة من السلطة القضائية أن تبدي رأيها في هذا الموضوع.. وحسبما أكدته مصادر مطلعة لـ «القبس» فإن السلطة القضائية ردت على هذا الطلب بالرفض.
وأكدت المصادر أن المجلس الأعلى للقضاء أكد خلال رده على طلب مجلس الأمة «لقد اطلعنا على مشروع القانون ونرفضه بكامل بنوده»، موضحا أن القاضي إذا أخطأ في حكم فهناك ثلاث درجات للتقاضي، ويحق لأي خصم أن يستأنف الحكم متى ما رأى أنه خالف القانون، وسوف تقدر الهيئات القضائية الحكم، إما بالإلغاء أو التعديل، أو الرفض، أو إعادة ملف القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم.
وأشارت المصادر إلى أن السلطة القضائية كان موقفها ثابتا بعد طلب رأيها بالمشروع القانوني، حيث أكدت في ردها لمجلس الأمة أن القضاء نهر جارٍ ويطهر نفسه بنفسه، وهذا ما أكده رئيس محكمة الاستئناف وعضو المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية المستشار فيصل المرشد لـ«القبس».
أسباب الرفض
وبعد طرح الموضوع وسؤال المستشار المرشد رد قائلا: نعم لقد قدمنا مذكرة أوضحنا فيها أسباب رفضنا لهذا المشروع، ورأينا أنه لا يتناسب معنا، خصوصا أن السلطة القضائية لديها مجلس تأديب وتفتيش.
وأضاف: أن تضع رقابة خارجية على القاضي فذلك معناه أنه سيكون تحت سيف مصلت من الخصم، ويبقى على القاضي بدلا من أن يتابع القضايا المعروضة أمامه أن يتابع قضايا المخاصمة.
وتابع: من ناحية أخرى فإن قضاءنا لا يمكن أن يقارن مع القضاء في الدول الأخرى، ولو نظرنا إلى الدول الأخرى فإننا نجد أن مثل هذه القضايا «الخصومة» نادرا ما تعرض أمام القضاء، وبالتالي لا حاجة إليها!
وأكمل: نطبق مثل هذه الحالات الضيقة عندما يصل الخطأ إلى أنه لا يغتفر، لكنه غير صحيح أن تتم محاسبة قاض لأنه قام بتأجيل القضية التي يرى فيها الموكل أنها لم تكن في وقت قريب، وبالتالي التدخل في صلاحيات وأعمال القاضي، وفي هذه الحالة سيصبح القاضي بلا حصانة ولا ثقة ولا يملك الحيادية من وجهة نظر الخصم.
وقال انه في هذه الحالة سينقلب الوضع، وهنا سيكون تفريغا لمحتوى القضاء، ولمصداقيته، ولا يجوز إطلاق مثل هذا المشروع، فما يتناسب مع الغرب أو بعض الدول لا يتناسب معنا، ولا نأخذ كل قانون ونطبقه بحذافيره، وانما نطبق ما يتناسب معنا.
واستطرد قائلا: إذا وجدت أي مشكلة فإننا نقوم بحلها، والمحاكم العليا تراقب القاضي الأدنى، ويتم علاج أي مشكلة، موضحا أن مثل هذه الأمور تطبق في أضيق نطاق ونادرا، ولا يجوز أن نقلب الوضع ونضع القاضي كمتهم.
واستشهد المرشد بالقضايا التي خسرها بعض القضاة أمام المحاكم عندما أقاموا دعاوى شخصيه لهم، قائلا: أنت صديقي والحق صديقي وإن اختلفنا فأنت مع الحق، فخسارة أو كسب القاضي لمختلف الدعاوى المعروضة أمام المحاكم يعتبر وساما على صدر السلطة القضائية، وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح.
ضمانة للمتقاضين
من جانبه، رأى رئيس جمعية المحامين عمر العيسى أنه من الضروري أن يكون هناك قانون من قبل الحكومة، على أن يتبناه أعضاء مجلس الأمة، يتحدث عن مخاصمة القاضي من باب الشفافية، وأن يعطي ضمانة أكثر للمتقاضين.
وقال ان هذا القانون معمول به في الدولة العربية، والحكم في مثل دعوى الخصومة يكون أمام قاض آخر، وبالتالي ليس هناك أي تخوف من هذا الجانب.
وأضاف: يلجأ المتقاضي إلى هذا الاسلوب عندما تكون هناك أحكام غير مدروسة، وتكون هناك سرعة في تطبيقها، وبالتالي فإن هذا المتقاضي من الممكن أن يلجأ إلى محكمة خاصة ويخاصم القاضي الذي أصدر هذا الحكم ليضمن حقه، وهذا الإجراء يكون استثنائيا، وبالتالي ليس هناك خوف من المحكمة أو أي شخص، لأن المحكمة هي التي تنظر ذلك.
وزاد: نحن على علم بأن هناك تخوفا، والبعض لديه موضوع مخاصمة القضاء حساس، وأنا أعتقد أنه ليس فيه أي حساسية ومعمول به في الدول العربية، لأن رقابة القاضي تكون أمام قاض، ونضمن الحق للجميع.
وذكر العيسى أن مشروع القانون يطالب بالتعويض المادي وذلك لأنه يجبر الضرر الذي أصابك من خطأ القاضي، وهذا القانون موجود في مصر، ولكن تجد أن الدعاوى المختصة به تختصر في حالة أو حالتين طوال عام كامل. ونحن لا نتخوف منه وإنما نطالب بوجوده من باب الشفافية.
الخطأ المهني
وبدوره، انتقد المحامي مزيد اليوسف دعوة جمعية المحامين لإقرار مشروع قانون مخاصمة القضاة مدنياً، متى وقع من القاضي أو عضو النيابة في عملهما خطأ مهني جسيم.
وقال اليوسف ان القضاء يظل سائغا للشاربين، وإذا كان مجتمع القضاء ليس بالملائكي إلا أنه مجتمع نقي يزكي بدنه من الجراثيم التي تتسلل إليه.
وأضاف ان الاقتراح يتحدث عن تعويض مدني فقط يقابل جرما خطيرا، فالقاضي أو عضو النيابة المخطئ خطأ جسيماً، تكون عقوبته البتر من جسم الجهاز القضائي النزيه، صوناً لثقة الأفراد في قلاع عدالتهم، لا مجرد مقابل مالي يحصل عليه صاحب المصلحة.
وقال ان هذا المقترح سيفتح الباب على مصراعيه للتشهير بالقضاة، متى لم يصادف حكمهم هوى أحد منا، علاوة على أثره البالغ في إرباك القاضي أثناء أداء مهمته، تحت الخوف من كيد أحد الخصوم له بدعوى مخاصمه، بينما الواجب في منح القاضي فسحة من السكينة كي يؤدي دوره في خدمة العدالة بنفس مطمأنة، لا يعوقها سوى ضميره وحده، ورقابة لاحقه عليه من مجلس القضاء الأعلى، فالقاضي ليس بموظف عام كي يحاسب على اجتهاد أخلص فيه وأخطأ، وإنما هو صاحب أمانة عظيمة، كونه خليفة الرحمن عز وجل في أرضه يقيم القسط بين الناس بالحق.
وشدد على أن إرباك القاضي بمثل هذه المقترحات يشكل بحد ذاته تعطيلاً للعدالة، لأنه يشكك في نزاهة القضاء ويضعف من هيبته، ويدفعه إلى الارتباك، وهو ما سينعكس في النهاية على حسن أدائه لأمانة ناءت بحملها الجبال.
وبيّن أن قانون تنظيم القضاء يحتوي على نصوص تغني عن مثل هذا الاقتراح، فالمادة 35 تنص على أنه «لوزير العدل حق الإشراف على القضاء.. لرئيس كل محكمة ولجمعيتها العامة حق الاشراف على القضاة التابعين لها»، إضافة إلى المادة 38 «يختص المجلس الاعلى للقضاء بالنظر في حبس القاضي وعضو النيابة احتياطيا وتجديد حبسه او ان يأمر باتخاذ اجراء آخر». أيضا فإن المادة 39 تنص على أنه «يترتب حتما على حبس القاضي او عضو النيابة العامة بناء على امر او حكم وقفه عن مباشرة اعمال وظيفته مدة حبسه، ويجوز للمجلس الأعلى للقضاء ان يأمر بوقف القاضي او عضو النيابة العامة عن مباشرة اعمال وظيفته اثناء اجراءات التحقيق عن جريمة وقعت منه، وذلك من تلقاء نفسه او بناء على طلب النائب العام او رئيس المحكمة التابع لها او بناء على قرار من جمعيتها العامة ويخطر وزير العدل بذلك».
وتابع قائلا: إذن هذه كلها مواد كفيلة بتحقيق غاية صون العدالة، وكل ما هو مطلوب منا هو فقط تفعيلها إن مسنا من أحد القضاة جور متعمد، بشرط أن نحسن استغلالها ونكون أمناء فيها، وليس لمجرد أننا خسرنا قضية كنا نظن أن الحق في جانبنا.
وقال إن الشفافية التي تنشدها جمعية المحامين يمكن ان تكون مع كل أحد إلا القاضي، فهمته ليست كمثل مهمة غيره، فهو مجتهد يخطئ ويصيب، ويُؤجَر على الحالتين، ومتى أخطأ في اجتهاده كان لنا الطعن على رأيه أمام محاكم أعلى منه درجة، فالتقاضي كما هو معلوم على درجتين، تتدارك الأعلى خطأ الأدنى منها مرتبة، ثم الكلمة الفصل تكون لمحاكم التمييز التي تراقب سلامة تطبيق المحاكم الأدنى لنصوص القانون وروحه.
بلا منفعة
واشار المحامي علي الواوان إلى أنه لا يوجد هناك ضرر من عدم تطبيق قانون مخاصمة القضاة، لأن قانون تنظيم القضاء وضع نظاما لتأديب القضاة منها اذا اخل القاضي بواجبات وظيفته او افشى سر المداولات او باشر عملا من الاعمال التي يحظر قانون القضاة مداولتها او ارتكب عملا يمس بنزاهته.
وأضاف: اما بالنسبة للأخطاء التي يرتكبها القاضي فإنه يقدم للمحاكمة التأديبية واحاط المشرع بان تكون هناك ضمانات وفيرة وتقدم الشكوى التأديبية من النائب العام بناء على طلب من وزير العدل بإحالة القاضي للمحاكمة طبقا للمادة 45 من قانون القضاء ويتكون مجلس تأديبي من مستشارين في محكمة الاستئناف على ان تكون الجلسات سرية حفاظا على كرامة القاضي.
وأوضح أن العقوبات التي جاءت في قانون تنظيم القضاة بحق القاضي هي اللوم والعزل، كما أن ضمانات استقلال القضاء منع القانون في المادة 43 من القانون المذكور رفع الدعوى الجزائية في جناية الا بإذن من القضاء فليس هناك ضرر من عدم تطبيق قانون مخاصمة القضاة.
وبين أنه اذا كانت وظيفة القاضي هي الحفاظ على المراكز القانونية فان طبيعة هذه الوظيفة تفرض علية مقتضيات لا بد من وجوبها ككفاءة القاضي الذهنية والخلقية، وان يكون القضاء مستقلا فالقانون وضع ثقته بذكاء القاضي وضميره، مشيرا إلى أن حسن سير العدالة يتطلب رقابة على أعمال القضاة لكن هذا لا يتعارض مع استقلالهم الوظيفي، بالإضافة الى حياد القاضي بمعنى تجرده من اي مصلحه ذاتية له.
فوائد منظمة
قال الواوان: اذا كان هناك خطأ فليطبق قانون تنظيم القضاء. فنصوصه كافية لتأديب القضاة في حالة إخلالهم بعملهم مع حفاظ الاستقلالية لهم وعدم العزل، فالفوائد من تطبيق قانون مخاصمة القضاة لن تكون اكثر من فوائد قانون تنظيم القضاء، وبالنسبة لمشروع القانون فيرجع لأعضاء مجلس الأمة الرأي في إقراره من عدمه، وهم اصحاب الرأي في حالة تطبيقه على ان يلتفتوا الى القانون بتمعن ومعرفة ماذا سيحدث مستقبلا، كما أنه يجب مناقشة هذا الموضوع قبل اقراره في مجلس الامة لأنه يمس نزاهة وحيادة القضاء، فالقضاء مستقل لا سلطان عليه الا بضميره، وهذا ما اوجبه الدستور.
سيل من الدعاوى
أجمع أغلب القانونيين على الرأي بأنه لا يجوز طرح هذا المشروع نهائيا، لأنه ليس هناك حاجة لتطبيقه، كما أن إخضاع القضاة للقواعد العامة للمسؤولية، كما حال الموظفين العاديين، قد يجعلهم أمام سيل من الدعاوى، وسوف يتعرضون من قبل أي شخص يحاول النيل من كرامتهم أو المساس بشخصهم.
تنظيم القضاء
تساءل أحد القانونيين: لمن يريد أن يخاصم القضاء لماذا لم يلتفت إلى المادة 42 من قانون تنظيم القضاء الذي نص على أن ترفع الدعوى التأديبية بصحيفة تشتمل على التهمة والادلة المؤيدة لها، وتقدم لمجلس التأديب ليصدر قراره باعلانها للقاضي للحضور امامه اذا ما رأى وجها للسير في اجراءات المحاكمة التأديبية؟!
مضيفا: وللمجلس في هذه الحالة ان يقرر وقف القاضي عن مباشرة اعمال وظيفته او يقرر باعتباره في اجازة حتمية حتى تنتهي المحاكمة، له في كل وقت ان يعيد النظر في امر الوقف او الاجازة المذكورة.القبس
